الباشا طبيق ✍️
عامٌ من الثبات والتضحيات.. وإرادةٌ لا تنكسر في طريق بناء السودان الجديد
في الذكرى الأولى لتحرير الفرقة السادسة مشاة بمدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، نستحضر بفخر واعتزاز محطةً مفصليةً في مسيرة الصمود والتضحيات، ونستخلص من هذه المناسبة الوطنية دروساً عميقة في الثبات، وقوة الإرادة، والإيمان بالقضية، والقدرة على تجاوز التحديات مهما تعاظمت.
لقد شكّل تحرير الفرقة السادسة والفاشر اختباراً استثنائياً للإرادة والصمود، في مواجهة حشود عسكرية كبيرة جمعتها الحركة الإسلامية من بقايا القوات التي انسحبت من عدد من المواقع والفرق العسكرية في إقليم دارفور، إلى جانب الحركات المسلحة والمستنفرين والكتائب ذات التوجهات الجهادية، في محاولة للتمسك بالفرقة والمدينة وتحويلهما إلى مركز لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية.
ولم تكن المعركة في الفاشر عسكريةً فحسب، بل كانت أيضاً معركةً إعلاميةً وسياسيةً محتدمة. فقد حظيت المدينة باهتمام إقليمي ودولي واسع، وترافقت التطورات الميدانية مع حملة إعلامية ضخمة سعت إلى رسم صورة قاتمة للمشهد، وتوظيف معاناة المدنيين في صراع الروايات والمواقف الدولية، بما يخدم أجندات سياسية تتجاوز مصالح المواطنين وتطلعاتهم إلى الأمن والسلام والاستقرار.
لكن مشروع تأسيس واجه تلك التحديات بإرادة صلبة وعزم لا يلين، ومضى في مساره رغم الضغوط والحملات الإعلامية، حتى تحقق تحرير المدينة. وقد رافقت العمليات جهود لإخلاء المدنيين من مناطق الخطر ومحيط الاشتباكات، وتوفير الاحتياجات الأساسية من مأوى وغذاء ودواء، انطلاقاً من أهمية حماية الأرواح وتقليل المعاناة الإنسانية.
إن قيمة الانتصار لا تُقاس بما يتحقق في ميدان المعركة وحده، وإنما بما يترتب عليه من أمنٍ واستقرارٍ وحياةٍ كريمة للمواطنين. ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الحقيقية بعد التحرير تتمثل في تحويل الإنجاز العسكري إلى واقع مدني مستقر، يعيد للمدينة عافيتها، وللمواطنين ثقتهم في المستقبل.
وقد شهدت الفاشر، وفق ما نتابعه من جهود التعافي، خطواتٍ في اتجاه عودة الحياة تدريجياً، وعودة بعض المواطنين طوعاً إلى ديارهم، إلى جانب العمل على إزالة مخلفات الحرب، ونزع الألغام، وتنظيف الأحياء والشوارع، وإعادة تشغيل المرافق الخدمية، بما في ذلك الشرطة والمستشفيات والمدارس. كما استؤنفت العملية التعليمية، وأُجريت امتحانات الشهادة الثانوية وامتحانات مرحلة الأساس، فيما تتواصل الجهود الرامية إلى تأهيل جامعة الفاشر وإعادة دورها العلمي والتعليمي.
هذه الخطوات، على أهميتها، تظل بدايةً لمسار طويل يتطلب مواصلة العمل، وتضافر جهود السلطات والمجتمع، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان سلامة العائدين، وتهيئة الظروف الملائمة لعودة النازحين والمهجرين طوعاً وأماناً وكرامة.
لقد راهن البعض على استثمار معاناة الفاشر في صناعة واقع سياسي يخدم أجنداتهم، وعلى توظيف الأزمة الإنسانية لتأليب الرأي العام المحلي والدولي ضد مشروع تأسيس، وتحقيق مكاسب لم يتمكنوا من انتزاعها عبر المسارات العسكرية والسياسية. غير أن الوقائع أثبتت أن إرادة الشعوب ووعيها لا يمكن اختزالهما في حملات التضليل، وأن معاناة المواطنين ينبغي أن تكون دافعاً لإنهاء الحرب وتخفيف الآلام، لا وسيلةً للمزايدة السياسية أو تحقيق المصالح الضيقة.
وفي هذه الذكرى، نؤكد أن التحدي الأكبر لا يتمثل في تجاوز آثار المعارك فحسب، بل في بناء واقع جديد يضمن ألا تتكرر المآسي، ويؤسس لدولة المواطنة والحرية والعدالة والمساواة، حيث تُصان كرامة الإنسان، وتُحترم حقوقه، وتُوجَّه موارد الدولة لخدمة المواطنين بعيداً عن الإقصاء والتهميش والهيمنة.
الرحمة والمغفرة لشهداء معركة الفاشر، وفي مقدمتهم الشهيد علي يعقوب والشهيد قرن شطة، ولكل الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل ما آمنوا به من أهداف وقضايا. نسأل الله أن يتقبلهم قبولاً حسناً، وأن يمنّ على الجرحى والمصابين بعاجل الشفاء، وأن يربط على قلوب أسر الشهداء والمفقودين، وأن يعوّض أهل الفاشر ودارفور والسودان عموماً عن سنوات الألم والفقد والنزوح.
كما نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الفريق أول عبد الرحيم دقلو، تقديراً لما بذله من جهود في دعم مساعي استعادة الاستقرار بمدينة الفاشر، وما وُجّه من إمكانات نحو تجاوز آثار الحرب وإعادة الحياة إلى المدينة. والشكر موصول إلى طاقم مكتبه المرابط في الفاشر، وعلى رأسهم الرفيق مسبل، وإلى جميع العاملين الذين يواصلون الليل بالنهار من أجل خدمة المواطنين، وإلى الجنود المجهولين الذين يؤدون واجباتهم في صمت وإخلاص، بعيداً عن الأضواء، إيماناً منهم بأن خدمة الشعب مسؤولية وطنية وأخلاقية.
كما نثمّن دور الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي، بوصفه قائد مشروع تأسيس وبناء السودان الجديد، ونائبه الفريق عبد العزيز آدم الحلو، والأستاذ محمد حسن التعايشي رئيس الوزراء، والدكتور الهادي إدريس حاكم إقليم دارفور، وقيادة الفرقة بمدينة الفاشر، والإدارة الأهلية، والأعيان، والقيادات السياسية، والشباب، والمرأة، وكل القوى المجتمعية التي تسهم في جهود التعافي وإعادة بناء النسيج الاجتماعي وتعزيز فرص السلام والاستقرار.
إن ذكرى تحرير الفرقة السادسة ليست مجرد استعادة لحدث من الماضي، بل هي مناسبة لتجديد العهد مع أهداف التغيير الجذري، وتأكيد أن بناء السودان الجديد لن يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل الجاد، وترسيخ مؤسسات الحكم، وتحقيق العدالة، وإعادة الإعمار، وصون كرامة المواطنين، والاستجابة لتطلعاتهم في الأمن والسلام والحياة الكريمة.
ستظل الفاشر جزءاً أصيلاً من وجدان السودان، وسيظل تعافيها واستقرارها مسؤولية وطنية تتطلب تضافر الجهود وتغليب مصالح المواطنين.
المجد والخلود للشهداء، والشفاء العاجل للجرحى، والعودة الآمنة والكريمة للنازحين والمهجرين، والأمن والسلام والاستقرار لأهل الفاشر ودارفور وكل السودان.
وتستمر مسيرة تأسيس نحو تحقيق النصر الشامل، وترسيخ السلام، وبناء السودان الجديد؛ سودان المواطنة والحرية والعدالة والمساواة، الذي يسع الجميع ولا يُقصي أحداً.
الإثنين/26 أكتوبر
