بقلم:فاطمة لقاوة
بالأمس، الخميس الموافق 29 يناير 2026، أصدر رئيس وزراء حكومة السلام، الأستاذ محمد الحسن التعايشي، مرسومين بتعيين السيد كوكو محمد جقدول بادي وزيراً للتربية والتعليم، والأستاذ الباشا محمد الباشا طبيق وزيراً للطاقة والنفط.
هذان التعيينان لا يمكن قراءتهما خارج سياق اللحظة السودانية الحرجة، ولا خارج رمزيتهما السياسية،باعتبار أن الرجلين ينحدران من إقليم جنوب كردفان/جبال النوبة، ويتوليان وزارتين تُعدان من أكثر مؤسسات الدولة تعقيداً وتلوثاً بإرث الفشل والفساد في الحِقب الماضية.
حكومة السلام، رغم أنها جاءت من رحم المعاناة التي تعيشها مجتمعات دارفور وكردفان وكل السودان في ظل الحرب العبثية، إلا أنها لا تملك ترف المواصلة في البطء الذي وسم أداءها التنفيذي والإداري حتى الآن.
صحيح أن إنجازات الدول المنهكة لا تتحقق بضربة لازب، لكن المؤكد أن الإرادة السياسية الواضحة، وكسر نمط الإدارة القديمة، هما الحد الأدنى الذي ينتظره الناس الذين صبروا صبر أيوب.
وزارة التربية والتعليم تمثل أخطر ساحات بناء الدولة، لكنها أيضاً أكثر الوزارات التي نالت نصيبها من التشويه،
فقد تلاعب نظام الإنقاذ، عبر المؤتمر الوطني، بالمناهج، ودمّر الداخليات، وأضعف العملية التعليمية، حتى صارت المدرسة بيئة طاردة وغير صالحة للتعليم،واتجه مُعظم المُقتدرين للمدارس الخاصة بديل عن المدارس الحكومية.
خلال ثلاث سنوات من الحرب، مارست عصابة بورتسودان عقاباً جماعياً بحق إنسان دارفور وكردفان، بحرمان الأجيال من امتحانات الشهادة الثانوية،وتعطيل إستخراج شهادات طلاب الجامعات، وملاحقة من حاولوا الوصول إلى مناطق سيطرة الجيش بتهم “الوجوه الغريبة”، والزج بهم في محاكمات وحبس غير قانوني، كما حدث لطالب الشهادة السودانية من أبناء النهود الذي سُجن في عطبرة العام الماضي.
أما وزارة الطاقة والنفط، فهي وزارة مثقلة بتاريخ أطول وأعمق من التلاعب،وزارة احتكرها عوض الجاز لعقود، أُبرمت داخلها اتفاقيات مشبوهة، ووقعت فيها مخالفات جسيمة، وأُديرت عبرها صفقات أهدرت حقوق المجتمعات في مناطق الإنتاج،الذين حاصرهم ثالوث الفقر والجهل و الموت،فمن لم يمت بطلقة او تعذيب ،مات بتلوث كيميائي وبأمراض لم يعرفها المجتمعات من قبل ،كالسرطان و التشوهات الخُلقية و التسممات.
في هذه الوزارة أُشعلت حروب قبلية عبثية بين الأشقاء، واستُخدم بند عُرف “الصف” لإبعاد الأهالي قسراً، وشراء الذمم، وفتح الطريق أمام شركات البترول، بينما تُركت المجتمعات تواجه الفقر والدمار.
اليوم، تأتي هاتان الوزارتان في لحظة تتشابك فيها الملفات الخدمية بالملفات السياسية والتفاوضية، في ظل الإرتباط السيامي القائم بين حكومة السلام وعصابة بورتسودان،فيما يتعلق بمستقبل استمرار انتاج البترول ،و العملية التعليمية العرجاء .
أي نجاح حقيقي لن يتحقق بإدارة الأزمة، بل بكشف خطوط التواطؤ، ووضع الحروف فوق النقاط، والانحياز الصريح للضحايا لا للصفقات.
إلى السيد كوكو محمد جقدول بادي، وزير التربية والتعليم، وإلى الأستاذ الباشا محمد الباشا طبيق، وزير الطاقة والنفط:أنتم اليوم لا تتسلمون وزارات، بل تتسلمون ديوناً تاريخية في ذمة الدولة تجاه أجيال حُرمت من حقها في التعليم، ومجتمعات نُهبت مواردها باسم القومية،انتماؤكما لجنوب كردفان/جبال النوبة ليس امتيازاً رمزياً، بل مسؤولية أخلاقية مضاعفة؛ هذه الأرض تعرف جيداً معنى التهميش، وتعرف كيف تُدار الوزارات حين تتحول إلى أدوات قهر ونهب،فقد سبقكما الأستاذ سعيد فرج الله تبايكو ،وانجز مشروع سد السنوط الشهير رغم الفرص الضئيلة التي حُظي بها.
التاريخ لن يسأل عن نواياكم، بل عن إنجازاتكم ، قراراتكم، وعن الجهة التي اخترتم الوقوف معها حين كان الوقوف مكلفاً.
ولنا عودة بإذن الله
الجمعة،٣٠يناير/٢٠٢٦م

