✍️ صفاء الزين
أشعل البرهان الحرب وترك السودان يحترق، ثم توجه إلى موسكو لعرض ساحل البحر الأحمر والموانئ والثروات المعدنية على بوتين، كما فعل المخلوع البشير من قبل. وكأن السودان ملكية خاصة يتصرف فيها وفق حساباته السياسية.
يواجه الشعب القتل والنزوح والجوع، وتتآكل مؤسسات الدولة. وفي المقابل، يتنقل البرهان بين العواصم عارضاً موارد البلاد ومواقعها الاستراتيجية. ويبحث عن حليف يضمن له البقاء في السلطة. بأي حق يتصرف البرهان في مستقبل السودان بهذه الطريقة؟
عروض موسكو تتجاوز التعاون الاقتصادي
تتجاوز العروض التي قدمها البرهان لبوتين حدود التعاون الاقتصادي المعتاد. فقد طرح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، وإقامة مخازن روسية للوقود والقمح.
كما عرض فرصاً للاستثمار في الذهب والنحاس ومعادن أخرى. وطرح مشاركة الشركات الروسية في تطوير السكك الحديدية، وإنشاء سلاسل لوجستية تربط بورتسودان بتشاد.
هذه الملفات تمس الموانئ والثروات والبنية التحتية وموقع السودان في حركة التجارة الإقليمية والدولية. ومع ذلك، يتعامل البرهان معها وكأنها حقوق شخصية تمنحه سلطة التصرف فيها دون الرجوع إلى الشعب.
ثروات هائلة وشعب يواجه الفقر
تكشف الأرقام حجم الثروات والمصالح الوطنية التي يدور حولها الحديث. فبحسب البيانات الرسمية السودانية، بلغ إنتاج الذهب المعلن خلال عام 2025 نحو 70.15 طناً، رغم استمرار الحرب وخروج مناطق إنتاج واسعة عن نطاق الإحصاء الحكومي.
وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى امتلاك السودان نحو 73.5 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، بما يعادل قرابة 175 مليون فدان. ولا يستغل السودانيون سوى أقل من 35% منها.
كما قُدرت الثروة الحيوانية بنحو 115.4 مليون رأس خلال عام 2025.
تعكس هذه الأرقام جانباً من ثراء السودان الطبيعي. لكنها تكشف أيضاً الفجوة الهائلة بين موارد البلاد وأوضاع مواطنيها المعيشية.
وتزداد خطورة هذا التناقض عندما تتحول الثروات المعدنية والموانئ والممرات التجارية إلى موضوع لتفاهمات خارجية تفتقر إلى الرقابة العامة. بينما تظل عائدات هذه الموارد وطرق التصرف فيها بعيدة عن الشفافية والمساءلة.
البحر الأحمر ومخاطر التنافس الدولي
يتعامل البرهان مع ساحل البحر الأحمر باعتباره مساحة متاحة للمساومة السياسية، متجاهلاً أهمية الموقع الاستراتيجي الذي يتحدث عنه.
فالبحر الأحمر ممر تجاري حيوي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر باب المندب وقناة السويس. وتعتمد عليه حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، إلى جانب إمدادات الطاقة.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى مرور أكثر من 10% من التجارة العالمية عبر هذا الممر. كما ارتبط نحو 34% من تجارة السودان، وفق بيانات عام 2022، بحركة الملاحة عبر قناة السويس.
وتجعل هذه الأهمية أي ترتيبات طويلة الأمد على الساحل السوداني قضية تتجاوز الاستثمار التجاري. فهي ترتبط أيضاً بالأمن والنفوذ الإقليمي والدولي.
السودان وسط صراع المصالح الدولية
يقع السودان في قلب تنافس دولي وإقليمي. وتتداخل في هذا التنافس مصالح روسيا والصين والولايات المتحدة، إلى جانب السعودية ومصر وتركيا وإيران والإمارات وإسرائيل.
وترتبط هذه المصالح بالموانئ وخطوط الملاحة وأمن الطاقة والنفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
لذلك، فإن إدخال روسيا في ترتيبات اقتصادية ولوجستية على الساحل السوداني قد ينعكس على علاقات البلاد الإقليمية وموقعها في معادلات التنافس الدولي.
ومع ذلك، يتصرف البرهان وكأنه صاحب القرار الوحيد في تحديد اتجاه السودان وعلاقاته الاستراتيجية. ويمضي في هذه الملفات دون تفويض شعبي أو نقاش وطني أو رقابة مؤسسية.
من يراقب التصرف في ثروات السودان؟
تحتاج هذه الثروات والمواقع الاستراتيجية إلى نظام صارم للشفافية والرقابة، بعيداً عن المزادات والمزايدات السياسية.
ومن حق السودانيين معرفة المواقع المطروحة للاستثمار ومساحاتها وقيمتها الاقتصادية. كما يجب إعلان مدد الامتيازات المقترحة وشروط التعاقد ونسب المشاركة في العائدات والأرباح.
ويشمل ذلك الإعفاءات الضريبية والجمركية، والالتزامات البيئية، والمستفيدين الحقيقيين من الشركات، والآثار المحتملة على السيادة والأمن القومي.
كذلك، ينبغي إخضاع أي اتفاقات تتعلق بالموانئ والثروات المعدنية والبنية التحتية الاستراتيجية للإفصاح العلني. ويجب أن تخضع هذه الاتفاقات لتقييم اقتصادي وقانوني مستقل، ورقابة تشريعية وقضائية.
ولا يجوز إبرام التزامات طويلة الأمد تتجاوز صلاحيات السلطة القائمة أو تقيد خيارات الأجيال المقبلة.
فالثروات العامة حقوق للشعب السوداني. ويجب أن تدخل عائداتها الخزانة العامة، وأن تخضع للموازنة والمراجعة والمساءلة، بعيداً عن الحسابات السياسية والصفقات التي تُدار خلف الأبواب المغلقة.
السودان ليس بوابة لمصالح الدول الأخرى
عندما يقول البرهان إن السودان يمكن أن يكون «بوابة روسيا إلى أفريقيا»، فإنه يختصر الموقع الجغرافي والسياسي للبلاد في خدمة طموحات دولة أخرى.
السودان يحتاج إلى سياسة خارجية تحمي مصالحه وتستثمر موقعه لمصلحة شعبه. ولا يحتاج إلى قائد عسكري يوزع الوعود الاستراتيجية بحثاً عن دعم سياسي.
فإدارة الموانئ والثروات والعلاقات الدولية والأمن البحري تحتاج إلى مؤسسات وطنية وخبرات متخصصة وقرارات تخضع للمساءلة.
أما انفراد البرهان بهذه الملفات، فيمثل امتداداً لتغوّله على الدولة وحقوق السودانيين.
ما الذي يقدمه البرهان مقابل الدعم الروسي؟
تكمن المفارقة في أن البرهان، الذي تحمله الكاتبة مسؤولية إشعال الحرب وترك البلاد تواجه الانهيار، يتجه الآن إلى طرح مواردها وموقعها الاستراتيجي في مفاوضات خارجية.
وفي الوقت نفسه، يظل مستقبل ملايين السودانيين معلقاً بين النزوح والجوع وفقدان الأمان.
وهنا تبرز أسئلة لا بد من الإجابة عنها:
ما الذي يقدمه البرهان في موسكو مقابل الانفتاح على المصالح الروسية؟ وما الضمانات التي يبحث عنها لنفسه؟ ومن يتحمل تبعات تحويل الساحل السوداني إلى جزء من ترتيبات التنافس الدولي؟
سيادة السودان ليست ورقة تفاوض
السودان دولة يملك شعبها حق تقرير مستقبلها. وساحل البحر الأحمر وموانئه وثرواته حقوق وطنية لا يملك البرهان تفويضاً للتصرف فيها منفرداً.
إن سيادة السودان ليست ورقة تفاوض لإنقاذ سلطة البرهان. ومقدرات البلاد ليست ثمناً يدفعه مقابل البقاء في الحكم.

