طالعتنا الدبلوماسية المصرية ببيان بائس يفيض نفاقا وتضليلا حين تباكت على المدنيين
السودانيين واستهدفت إدانة المسيرات في مسرحية مفضوحة تكشف حجم الانحطاط
والازدواجية فكيف يجرؤ نظام القاهرة على ادعاء حماية الأبرياء وهو المتورط الأول في سفك
دمائهم الشريفة إن هذا البيان ليس إلا محاولة مكشوفة للتغطية على جرائم موثقة اقترفها
سلاح الجو المصري الذي حول مدن السودان وقراه إلى ركام وأطلال فوق رؤوس ساكنيها العزل
بلا أدنى وازع أخلاقي
لقد بات معلوما بالضرورة لكل متابع للأزمة أن النظام الحاكم في مصر هو الذي احتضن ومول
وأشعل هذه الحرب خدمة لمصالحه الخاصة متحالف مع فلول النظام البائد وجماعات الهوس
الديني التي اختطفت المؤسسة العسكرية السودانية ولم تكتف القاهرة بإذكاء نار الفتنة
وتأجيج الصراع بل استغلت هذه الدماء النازفة لنهب مقدرات وثروات البلاد مع سبق الإصرار
والترصد عبر صفقات سرية واتفاقيات مشبوهة رعاها قائد الجيش الفاقد للشرعية بصورة
علنية وفاضحة للجميع
إن التاريخ سيسجل بحروف من عار وخيانة ذلك التواطؤ المخزي الذي قاده عبد الفتاح البرهان
حين فرط في السيادة الوطنية تفريطا غير مسبوق وباع مساحات شاسعة من أراضي السودان
الخصبة لعقود تمتد لقرن كامل ليرهن مستقبل الأجيال القادمة لصالح الجار الشمالي المتربص
بل وصل به الانبطاح المذل إلى الامتناع المتعمد عن تجديد الشكاوى الدورية في مجلس الأمن ضد
الاحتلال المصري الغاشم لمثلث حلايب وشلاتين وأبورماد السودانية المحتلة في وضح النهار
تتباكى خارجية مصر على منشآت السودان وبنيته التحتية بينما تشهد كباري الخرطوم
ومصانعها الحيوية ومحطات المياه والكهرباء على قنابل الطيران الحربي المصري وصواريخه التي
صبت حممها بلا هوادة ولا تزال مجزرة المعدنين السودانيين العزل داخل حدود وطنهم شاهدة
على عدوانية ذلك النظام الجائر الذي استباح دماء الكادحين الباحثين عن لقمة العيش
فقصفهم بدم بارد في جريمة حرب مكتملة الأركان لم يجف مدادها ولا دماؤها بعد أمام مرأى
ومسمع العالم بأسره
إن هذا السجل الدموي الحافل بالانتهاكات يجعل نظام القاهرة فاقدا لأي أهلية قانونية أو
مشروعية أخلاقية تؤهله للحديث عن القانون الدولي أو تبني قضايا السلام وحرمة الدماء
فالذي دمر السودان وهجر الملايين لا يمكن أن يتقمص دور الواعظ الحريص على أمن واستقرار
شعبه إن مصر الرسمية أثبتت للشعب السوداني أنها العدو الصريح والجارة المتربصة التي
تجاوزت أفعالها العدائية كل حدود الأعراف والمواثيق المرعية بين الدول والشعوب الشقيقة
والصديقة عبر التاريخ
إن العدالة الناجزة لن تسقط بالتقادم ولن تمحى بالبيانات الدبلوماسية الزائفة وسيعلم
المتآمرون في القاهرة وشركاؤهم من جنرالات الحرب في بورتسودان أن الشعب السوداني الأبي لن
ينسى ثأره ولن يغفر لمن أحرق مدنه ونهب خيراته واحتل أرضه وإن إرادة هذا الشعب الثائر الحرة
لابد أن تنتصر وتكنس كل أشكال الهيمنة والوصاية الخارجية لتبني وطن العدالة والكرامة
والسيادة الكاملة رغما عن أنوف الطغاة والمتربصين العابثين بمصيره في كل المحافل الدولية
يكفي تزييفا واستهبالا سياسيا على حساب أشلاء الضحايا وأنين الجرحى فالسودانيون وعوا
الدرس جيدا وأدركوا أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بقطع أذرع التدخل الإقليمي الخبيث
وإنهاء هذا التحالف التدميري الذي يقوده جنرالات الهوس الديني برعاية كاملة من القاهرة التي
لم تكن يوما سندا لشعبنا بل خنجرا في خاصرة كفاحه الوطني التحرري وستبقى الحقيقة
الساطعة ماثلة للعيان بأن دماء الأبرياء المسفوكة ستظل تطارد القتلة والداعمين لهم حتى
تتحقق العدالة الكاملة
تلك هي الحقيقة الملموسة التي تحاول أروقة الدبلوماسية في مصر طمسها خلف عبارات منمقة
عن سيادة السودان ووحدة أراضيه بينما تصرفاتهم على أرض الواقع تجسد قمة العدوان
والانتهاك الفاضح للحدود والأرواح فالذي ينتهك كرامة الجار لا يستحق إلا الرفض والردع
الصارم ليعلم أن السودان ليس حديقة خلفية لأحد ولن يكون نهبا سهلا للمعتدين العابثين
بمستقبله مهما تمادوا في غيهم وتآ مرهم المفضوح على سيادته واستقلال قراره الوطني الحر
المستقل أمام الجميع
إن صوت الحقيقة لابد أن يعلو فوق دوي المدافع وسياط التضليل ومحاولات تبييض الأيادي
الملطخة بدماء الأبرياء فالشعوب الحية تملك ذاكرة لا تموت وستأتي اللحظة التي يدفع فيها
المعتدون استحقاقات إجرامهم كاملة غير منقوصة عن كل قطرة دم سفکت وعن كل شبرسلب
وعن كل حبة تراب دنستها المؤامرات الخبيثة ليعود السودان شامخا عزيزا حرا ترفرف عليه
رايات العزة والمجد والسيادة الوطنية الخالدة التي لا تقبل التنازل أو التراجع مطلقا
هنا يسجل التاريخ موقفه الحاسم أمام فجور المواقف وقبح التدخلات التي ما عاد يجدي معها
صمت ولا نفع فيها تستر فالأقنعة سقطت تماما وتجلت العداوة في أوضح صورها وأبشع
مظاهرها ولن تجد بيانات التضليل آذانا صاغية بين أبناء الوطن الذين حسموا خيارهم بوضوح
لا رجعة فيه بالمضي قدما نحو الخلاص التام وبناء دولتهم المدنية القوية الخالية من وصاية
الطغاة وسماسرة الحروب وعملائهم التابعين ليبقى السودان وطنا حرا سيدا مستقلا بذاته

