ليست أزمة الأحزاب السياسية في السودان وليدة اللحظة، وليست مجرد خلافات عابرة حول
السلطة أو تنافس على المواقع السياسية، بل هي أزمة ذات جذور تاريخية عميقة، ترتبط بنشأة
الدولة السودانية الحديثة، وطبيعة القوى التي تولت إدارة البلاد منذ ما يُعرف بالاستقلال،
وبالمنظومة السياسية والإدارية التي ظلت تحكم علاقة الدولة بالمجتمع والأقاليم.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: هل نال السودان استقلاله بالمعنى
الحقيقي للكلمة، أم أنه انتقل من الاستعمار المباشر إلى مرحلة أخرى من الوصاية، تولت فيها
نخب سياسية وطنية إدارة شؤون البلاد، دون أن تنجح في تحرير الدولة من أدوات الحكم
الاستعماري وبنيته المركزية؟
إن الاستقلال الحقيقي لا يُقاس برحيل المستعمر، أو رفع العلم الوطني، أو انتقال السلطة من
الحاكم الأجنبي إلى مسؤولين محليين؛ بل يُقاس بامتلاك الشعب إرادته السياسية، وسيادته
على موارده، وقدرته على اختيار من يحكمه ومحاسبته، وبناء مؤسسات تعبر عن تنوعه
وتستجیب لتطلعاته.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى ما يُسمى بالاستقلال السوداني باعتباره استقلالاً لم تكتمل
شروطه الوطنية؛ إذ رحل الاستعمار المباشر، لكن كثيراً من أنماط إدارته ومركزية سلطته
واستراتيجيات السيطرة على الأقاليم ظلت حاضرة في بنية الدولة وممارسات النخب التي
تعاقبت على الحكم.
الاستقلال المزعوم .. حين رحل المستعمر وبقيت أدواته
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أمة هو أن تعتقد أنها تحررت، بينما تظل أسيرة المنظومة التي
صنعت تبعیتها.
فالسودان لم ينجح، منذ الاستقلال، في إحداث قطيعة تاريخية مكتملة مع بنية الحكم
الاستعماري؛ إذ استمرت المركزية الشديدة، واختلالات توزيع السلطة والثروة، وهيمنة النخب
السياسية على القرار الوطني، وبقيت أقاليم واسعة تعاني التهميش وضعف التمثيل وغياب
التنمية المتوازنة.
لقد تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، وتبدلت الشعارات والمرجعيات السياسية، لكن
أزمة الدولة ظلت قائمة. فبدلاً من تأسيس مشروع وطني جامع، أعادت النخب الحاكمة إنتاج
صراعات النفوذ، وأصبح الوصول إلى السلطة غاية في ذاته، بينما تراجعت قضايا المواطن
والتنمية والعدالة الاجتماعية إلى مراتب متأخرة.
ومن هنا، فإن الحديث عن الاستقلال ينبغي ألا يتوقف عند التاريخ الرسمي لإعلانه، بل يجب
أن يمتد إلى مساءلة طبيعة الحكم الذي أعقبه: من امتلك القرار؟ ومن أدار الموارد؟ ومن استفاد
من السلطة؟ ومن بقي خارج دائرة المشاركة والتنمية؟
الأحزاب السياسية .. من التحرر الوطني إلى صراع الوصاية
لا يمكن إنكار الأدوار التاريخية التي اضطلعت بها بعض الأحزاب والشخصيات الوطنية في
مقاومة الاستعمار والعمل السياسي، غير أن الاعتراف بتلك الأدوار لا يعني منح التجربة الحزبية
حصانة دائمة من النقد والمساءلة.
فقد أخفقت التجربة الحزبية السودانية، عبر مراحل مختلفة، في ترسيخ تقاليد ديمقراطية
مستقرة، وفي تجاوز الانقسامات الطائفية والأسرية والجهوية والأيديولوجية، كما لم تتمكن من
تقديم نموذج مستدام لإدارة التنوع السوداني.
وتحولت قطاعات من الحياة الحزبية إلى ساحات للصراع على السلطة والنفوذ، وأصبحت
بعض الولاءات الاجتماعية امتداداً للتنافس التنظيمي، بدلاً من أن تكون الأحزاب مؤسسات
لتطوير المشاركة الشعبية وصناعة البرامج الوطنية.
إن المشكلة ليست في وجود الأحزاب باعتبارها أحد أشكال التنظيم السياسي في المجتمعات
الديمقراطية، وإنما في تحول بعضها إلى مراكز نفوذ مغلقة، وإعادة إنتاجها لعقلية الوصاية
والاحتكار، وارتباط بعض ممارساتها بشبكات المصالح والارتهان للخارج.
فلا يجوز أن يتحول الوطن إلى ملكية سياسية لبيوتات بعينها، أو أن تصبح المشاركة في الحكم
امتيازاً تتوارثه مجموعات محددة، أو أن يُختزل مستقبل البلاد في صراع بين تنظيمات تتنازع
على أنقاض الدولة.

